بعد حادث ملهى العجوزة.. لماذا ازداد العنف فى مصر؟

تكررت الحوادث بشكل ملفت، فلم يبق فرد الأولتراس فقط وحيدا فى قائمة المستهدفين قتلا، بل وقف فى خانتهم أطفال المدارس الذين يقفز بهم السائقون فى ترعة المريوطية تارة، أو يصطدمون بقطار ليس فائق السرعة مرة أخرى.
هؤلاء وهؤلاء لم يبقون فى نفس الخانة أيضا، بل وقف إلى جوارهم الكثير من فئات المجتمع، الذين يموتون يوميًا فى حوادث الطرق أو فى غرق المراكب النيلية أو فى حريق يلتهم مصنعا، أو حتى بمرض ينتقل من المريض إلى الدكتور بسبب افتقار المستشفيات لأدنى درجات الحماية والوقاية.
بالطبع، المجال هنا لن يطول ضحايا العمليات الإرهابية، والمحتجزين فى السجون والأقسام، والذين تـُفرد لهما مئات السطور والكلمات يوميًا، إلا أن ما حدث منذ أيام فى الملهى الليلى بالعجوزة، كان يصعب تصديقه، لولا تواتر الأخبار عنه.
حادث العجوزة
يقول الخبر، إن مسلحين ملثمين هاجموا ملهى ليلى بالعجوزة بأسلحة رشاشة وبقنابل مولوتوف، ما أدى إلى مقتل 16 شخصا، معظمهم اختناقا بالدخان الذى اندلع فى الملهى إثر انفجار القنابل.
ويضيف الخبر أيضا، أن التحقيقات تؤكد أن الحادث جنائى، وليس إرهابيا، وهو أمر، لو تعلمون، أخطر بكثير من فكرة أن يكون عملا إرهابيا، لأنك هنا لا تواجه عدوا شريرًا معروفًا يريد حصد أرواح الأبرياء، سواء من رجال الشرطة أو الجيش، أو يريد عقاب رواد الملاهى الليلية والكنائس، بصفته الطائفية المتشددة، بل تواجه عدوا “منه فيه”، أو بمعنى أصح عدوًا تغلغل داخل كل مصرى بعد ثورة يناير، فأصبح مواطنا يعلو صوته فى التطرف لرأيه، وتزيد حدة اعتراضه وخصومته لتصل أحيانا إلى العنف والتهور، وربما القتل أحيانا.
أصبح الموت عند المواطن المصرى أمرًا عاديًا، لاسيما مع انتشار السلاح الآلى والأبيض، والذى صار فى يد الجميع يفعل به ما يشاء، ويجهز به على من يشاء.
فى حادث العجوزة، قالت وزارة الداخلية، فى بيان لها إن الفحص المبدئى لعملية الهجوم على ملهى ليلى بالعجوزة، كشف عن وقوعها نتيجة خلافات بين العاملين بالملهى وآخرين، قاموا على أثرها بإلقاء زجاجات المولوتوف بدافع الانتقام.
وبالفعل نجحت الداخلية فى القبض على المتهمين الذين لا يتعدى عمر الواحد منهم 26 سنة.
شحنات عدوانية
هنا فى مصر، وعلى الرغم من انطلاق الدراسات سريعا والتى خرجت تدرس الأزمة، إلا أن الواقع يؤكد أن لا الدولة ولا مواطنيها يسمعون ما نبه إليه علماء الاجتماع والنفس المصريين، من خطورة انتشار العنف المجتمعى فى مصر، ومن هؤلاء الدكتور إبراهيم البيومى، أستاذ الاجتماع بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية، الذى أكد أن العنف الاجتماعى سلوك يلحق الأذى النفسى الذى يصل إلى حد الإهانة وإهدار الكرامة، أو البدنى الذى يصل إلى حد القتل وإزهاق الروح، مضيفا فى دراسته عن العنف المجتمعى فى مصر أن العنف بهذا المعنى قد يمارسه فرد ضد فرد آخر، أو ضد جماعة أو فئة اجتماعية، وقد تمارسه جماعة أو فئة اجتماعية ضد أخرى (وهو ما حدث اليوم بالعجوزة).
وللعنف دوافع متعددة كما يقول البيومي، وغالباً ما تحركه شحنات “عدوانية” تتكون لدى بعض الأفراد، أو الجماعات تجاه أفراد أو جماعات أخرى، ومهما يكن نوع العنف، فهو “سلوك عدوانى، وليد شعور بالعداوة، ثم يتحول هذا الشعور إلى سلوك فعلى؛ قد يظهر فى صورة عنف لفظى، وقد يظهر فى صورة عنف بدنى”.
خمسة أنواع
فى الوقت نفسه، حددت دراسة صادرة عن المركز الإقليمى للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة، بعنوان “ملامح الترابط بين عمليات الإرهاب فى مصر ودوّل الإقليم”، أبعاد وأنواع موجة العنف التى تسيطر على الشارع المصرى حاليا، وتؤكد تقسيمه إلى خمسة أنواع، أولا “عنف الإرهاب”، ويقصد به العنف الذى تمارسه التنظيمات الإرهابية الكبيرة، التى تملك قدراً كبيراً من الاحترافية والخبرة التنظيمية، والإمكانات التسليحية العالية، مثل تنظيم “أنصار بيت المقدس”، الذى أعلن عن مبايعته لتنظيم “داعش” منذ فترة.

النوع الثانى وهو “عنف الإخوان”، وهو ما تمثله مجموعات “العنف المنظم” التى ينتمى أفرادها لجماعة الإخوان، وتتسم هذه المجموعات بصغر حجمها وضعف، لذا يطلق عليها البعض “تنظيمات العملية الواحدة”.
العنف الثالث، وهو عنف “السلفية الجهادية”، وأشهر مثال لها تنظيم “أجناد مصر”، حيث تتكون هذه التنظيمات من أبناء التيار السلفى الذين قرروا التحول إلى الفكر الجهادى والعمل المسلح عقب فض اعتصام ميدانى رابعة العدوية والنهضة.
فضلا عن “العنف الفردى”، وهو العنف الذى يمارسه بعض المتعاطفين مع جماعة الإخوان دون أن يكونوا منتمين إلى أى تنظيم أو تيار إسلامى محدد، ولكن يشعرون بأنه يجب عليهم الجهاد فى سبيل الله عن طريق إلحاق الضرر بالدولة، وأخيرا يبقى “العنف السائل”، أو ما يمكن أن يطلق عليه (العنف المختلط) الذى يجمع بين “العنف العشوائى” و”العنف المنظم”، أى أن هذا العنف برغم عشوائيته، إلا أنه يتم بشكل منظم إلى حد ما، لكن فى إطار مكانى ضيق ومحدد، وهى الأماكن التى يمكن تسميتها “بؤر العنف العشوائى”، وغالبا ما تكون فى المناطق الشعبية، خصوصاً فى القاهرة الكبرى، مثل مناطق عين شمس، والمطرية، والمرج، وحلوان، ومنطقتى الهرم وفيصل، والأفراد الذين يمارسون هذا العنف هم من تيارات متعددة سواء من الإخوان أو السلفيين أو من تيار الجماعة الإسلامية، أو حتى من المتعاطفين مع جماعة الإخوان المسلمين.

الغريب أن حادث الملهى الليلى الأخير، حدث فى مكان راقٍ إلى حد كبير. إلا أن مرتكبوه ينتمون إلى تلك المناطق التى أشارت إليها الدراسة.
وأشارت الدراسة إلى أن التغيرات التى طرأت على البيئة الإقليمية، خصوصاً الأزمات الإقليمية السورية والعراقية والليبية، لعبت دوراً مهماً فى تصاعد الفكر والنشاط الإرهابى فى المنطقة، الذى انعكس بقوة على الشباب فى مصر.
أمر طبيعى
أما الدراسة التى قدمها الدكتور عمار على حسن، الأديب والباحث فى علم الاجتماع السياسى فى ندوة “العنف السياسى فى مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين” التى عقدت فى المجلس الأعلى للثقافة منتصف أغسطس الماضى، فتشير أيضا إلى أن الثورات والحروب الأهلية والحروب الشاملة من أشد الحالات الاجتماعية التى تشهد ممارسة العنف، فالرغبة العارمة فى تغيير جذرى يضمن قيام سلطة وطبقة جديدتين، أو عمليات الترويع الدموى المنظم التى تستهدف السلطة والمجتمع أو أحدهما، والاقتتال الذى يدور بين الطوائف والقبائل والأعراق والجماعات السياسية حول النفوذ أو ثأرا للحقوق والكرامة، كلها من الظواهر والحالات التى يضرب العنف الشديد جنباتها بلا هوادة، وأكثر نسبيا من مواقف أخرى أصغر وأقل نطاقا.
ويضيف حسن “ورغم أن الثورات فعل إيجابى ولا تقصد أن تكون مجرد شكل احتجاجى من قبيل (التمرد) و(الحرب الأهلية) و(العنف الاجتماعى المفرط) و(إشاعة الفوضى) فإنها لا تخلو فى سعيها إلى إسقاط النظام القائم من أعمال عنف، تتفاوت فى الدرجة والحجم، من حالة ثورية إلى أخرى. ونحن حين نصف ثورة بأنها (سلمية) فإن وصفنا ينصب على الفعل الرئيسى أو القوة الأساسية الدافعة وليس على كل المشهد”



