18 يناير 2019
edara
بوابة مباشر » مقالات أكتوبر 24, 2015 | الساعة 2:10 م

المصرىُّ الأعظم.. والجاسوس

المصرىُّ الأعظم.. والجاسوس

اول أمس، 22 أكتوبر، تكررتِ المعجزةُ التى تُهديها مصرُ للكون مرتين كلَّ عام، منذ آلاف السنين، وإلى أن يستردَّ اللهُ الأرضَ بمن عليها وما عليها من معجزات بشرية.

أجبر علماءُ العمارة والفلك، من أجدادنا الفراعنة العظام، شعاعًا من أشعة الشمس، مرتين كل عام، على التسلّل من ثقب دقيق فى جدار سميك بعمق ستين متراً، حتى يستقر على نقطة بعينها فى جوف الصخر. النقطة هى وجهُ الملك رمسيس الثانى المخبأ فى العمق السحيق بمعبد أبى سمبل، حيث خبيئة “قُدس الأقداس”. يدخل الشعاعُ ليضىء وجوه تماثيل ثلاثة من التماثيل الأربعة الموجودة بالمعبد. ثلاثة آلهة، وملك عظيم. من اليمين على التوالى: “رع حور أختى” إله الشمس، رمسيس الثانى ملكنا الأعظم، وهو الفرعون الثالث من حكام الأسرة التاسعة عشر، ثم “آمون رع” إله طيبة. ويظلَّ التمثالُ الرابع “الربّ بتاح” إله منف وراعى الفنون، فى الظلِّ كما يليق بإله العالم السُّفلى.

فى يمين المعبد، ثمة جدارية بديعة تُظهر مشهداً عسكريّاً طريفاً من حرب قادش الثانية. أما قادش، فهى مدينة تقع على الضفّة الغربية لنهر العاصى ببلاد الشام، سورية الحالية. وأما حرب قادش فقد اشتعلت عام ١٢٧٤ قبل الميلاد، أى قبل أكثر من ثلاثة آلاف ومائتى عام، بين قوات الجيش المصرى بقيادة الملك رمسيس الثانى، وبين قوات الحيثيين بقيادة الملك مواتللى الثانى، وكانت إثر حملة من حملات رمسيس الثانى على بلاد الشام.

المشهد يصوّر كتيبة من جنودنا المصريين، وهم يلقون بقبضتهم على جاسوس عميل، ويُشبعونه ضربًا بالعُصىّ والشوم. تقول الجدارية إن هذا الجاسوس التعس قد أدلى بمعلومات خاطئة كادت تُضلّل الجيش المصرى العظيم فى معركته التاريخية مع الحيثيين، ليكون بهذا أول جاسوس فى التاريخ.

تعامدت الشمس أول أمس ٢٢ أكتوبر على معبدنا، ليكون هذا هو الشطر الثانى من تلك المعجزة السنوية الفريدة التى شطرها الأولى كان يوم ٢٢ فبراير. منذ القرن 13 قبل الميلاد، وحتى عام 1964، كانت الشمس تتعامد على الوجوه الثلاثة العظيمة بالمعبد يومى 21 أكتوبر، 21 فبراير. وبعد تفكيك المعبد لإنقاذه من الغرق تحت مياه بحيرة السد العالى، ونقله من موقعه القديم، إلى موقعه الحالى فى ستينيات العام الماضى، تبدّل اليومان إلى 22 من فبراير وأكتوبر، بسبب اختلاف خطوط الطول والعرض للموقع الجديد الذى يبعد 120 متراً غرباً.

اكتشفت تلك المعجزة الفريدة مستكشفة إنجليزية اسمها إيميليا إدوارد، بصحبة فريق عملها المرافق عام ١٨٧٤، ودوّنتها في كتابها المهم: “ألف ميل فوق النيل”، الصادر عام ١٨٩٩.

كيف ابتكر أجدادُنا تلك المعجزة الخالدة؟ استفاد المهندس العبقرى مصمّم المعبد، بما وصل إليه أجدادنا، علماءُ الفلك العالميون، من معرفة دقيقة برحلة شروق الشمس وغروبها ليصنع تلك الإعجازية المعمارية. حيث ينطلقُ شعاعُ الشروق من نقطة الشرق بالضبط، وينطبق شعاعُ الغروب على نقطة الغرب بالضبط، فقط يوم 21 مارس من كل عام. ثم يبدأ الشعاعُ في الانحراف صوب الشمال بمقدار ربع درجة يوميًّا، حتى يعاود الانطباق على نقطة الشرق يوم 21 سبتمبر، ثم يستأنف رحلة الانحراف ليشرق من نقطة تبعد 23 درجة وربع جنوب الشرق في يوم 21 ديسمبر، ليعود فينطبق على نقطة الشرق التام يوم 21 مارس، في دائرة سنوية فلكية لا تحيد ولا تتبدّل.

وهكذا عرف الأجدادُ أن الشمس تمرُّ على كل نقطة، مرتين في العام في رحلة شروقها وغروبها، فاختاروا مكانًا يقطع مسار شعاع الشروق ويبعد عن النقطتين مسافة قدرها الزمنيُّ أربعةُ أشهر، هى الفترة بين 21 أكتوبر، و21 فبراير، فيسقط الشعاع على تقاسيم وجه الملك فى عمق الجبل فى هذين اليومين، فقط، يوم ميلاده، ويوم تتويجه ملكًا. وجهوا الثقبَ صوب الشرق، وحفروه ضيّقًا جدًّا، حتى يُخطئه الشعاعُ في اليوم التالي حين ينحرف ربع الدرجة، فيعمُّ الظلامُ من جديد، انتظارًا لليوم الآخر من العام، حين يعودُ الشعاعُ ليضىء الوجه الملكىّ.

أولئك أجدادُنا العظام الذين علينا أن نتأمل تاريخهم لنفخر بهم وبمصريتنا، التي كرّمنا بها اللهُ على سائر الأعراق والأقوام. ثم نبني على أمجادهم أمجادًا جديدة، لكي يفخروا بنا كما نفخر بهم. وليس علمُ الفلك لدى السلف المصرىّ، إلا غيضًا من فيض، إلى جوار علوم الطب والتشكيل والآداب والموسيقى والنحت والهندسة والتقويم والفيزياء والسياسة وغيرها من عبقرياتٍ أذهلتِ العالمَ المتحضّر، فانحنى أمامها إجلالاً.

Source: مقالات

التعليق بواسطة حسابك على فيس بوك !!

الموقع غير مسؤل عن التعليقات المنشورة

[vivafbcomment]